السيد كمال الحيدري
37
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن
والمحن التي ما فتئت تحاول ضرب الإسلام والمجتمع الإسلامي في أركانه ، لم يستقرّ قرارها إلّا من طريق اتّباع المتشابه وابتغاء تأويل القرآن . ولعلّ هذا هو السبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب وإصراره البالغ على النهي عن اتّباع المتشابه وابتغاء الفتنة والتأويل في آيات الله ، والقول فيها بغير علم واتّباع خطوات الشيطان ، فإنّ من دأب القرآن أنّه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدِّين فتنهدم به بنيته ، كالتشديد الواقع في تولّى الكفّار ، ومودّة ذوي القربى ، وقرار أزواج النبيّ ، ومعاملة الربا ، واتّحاد الكلمة في الدِّين وغير ذلك . ولا يغسل رين الزيغ من القلوب ولا يسدّ طريق ابتغاء الفتنة اللذين منشؤهما الركون إلى الدُّنيا والإخلاد إلى الأرض واتّباع الهوى إلّا ذكر يوم الحساب ، كما قال تعالى : وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ( ص : 26 ) . ولذلك ترى الراسخين في العلم المتأبّين تأويل القرآن بما لا يرتضيه ربّهم ، يشيرون إلى ذلك في خاتمة مقالهم حيث يقولون : رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( آل عمران : 9 ) « 1 » . على أساس ما تقدّم ، من المؤسف حقّاً أن تكون الخطوط البيانيّة والمبادئ الأساسيّة الأُولى للعمليّة التأويليّة هي الأكثر غياباً في المصنّفات التأويليّة ، بل هي معدومة تماماً ، وهذا الجهل أو التجاهل والإهمال قد خلق لنا في الأوساط العلميّة نظرة سلبيّة بائسة تجاه التأويل ، فإذا ما ذُكر التأويل ذُكرت معه النعوت النافية للعلم والدقّة والنظر ، حتّى صار التأويل في
--> ( 1 ) المنهج التفسيري ، مصدر سابق : ص 115 - 117 .